محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
8
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال الآخر : إذا عطشتك أكفّ اللئام * كفتك القناعة شبعا وريّا فكن رجلا رجله في الثرى * وهامة همته في الثريّا « 1 » فإنّ إراقة ماء الحيا * ة دون إراقة ماء المحيّا وما ذكرته من معاني الإقامة في نوعي الأسباب والتجريد هو شيء فهمته مما يقوله بعد هذا ( من علامة إقامة الحقّ لك في الشيء إدامته إيّاك فيه مع حصول النتائج ) واللّه أعلم . وقد ذكر في « التنوير » « 2 » هذه المسألة بنصّها حاكيا عن هذا الكتاب ، وقال بأثره : « وافهم - رحمك اللّه - أنّ من شأن العدوّ أن يأتيك فيما أنت فيه مما أقامك اللّه فيه فيحقرّه عندك لتطلب غير ما أقامك اللّه فيه ، فيشوّش عليك قلبك ، ويكدّر وقتك ؛ وذلك أنه يأتي للمتسببين ، فيقول لهم : لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت لكم الأنوار ، ولصفت منكم القلوب والأسرار ، وقائلا أيضا : وكذلك صنع فلان وفلان ، ويكون هذا العبد ليس مقصودا بالتجريد ، ولا طاقة له به ، إنما صلاحه في الأسباب ، فيتركها ، فيتزلزل إيمانه ، ويذهب إيقانه ، ويتوجّه إلى الطلب من الخلق ، وإلى الاهتمام بأمر الرزق فيرمى في بحر القطيعة ، وذلك قصد العدوّ منه ، لأنه إنما يأتيك في صورة ناصح كما أتى أبويك فيما أخبر اللّه تعالى عنه ، وقال : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ، وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] كما تقدّم بيانه . وكذلك يأتي المتجردين ، ويقول لهم : إلى متى تتركون الأسباب ؟ ! ألم تعلموا أن ترك الأسباب تتطلّع معه القلوب إلى ما في أيدي الناس ويفتح باب الطمع ، ولا يمكنكم الإسعاف والإيثار ، ولا القيام بالحقوق وعوض ما تكون منتظرا ما يفتح اللّه به عليك من الخلق ، فلو دخلت في الأسباب بقي غيرك منتظرا ما يفتح اللّه به عليك منك إلى غير ذلك . ويكون هذا العبد قد طاب وقته ، وانبسط نوره ووجد الراحة بالانقطاع عن الخلق ، فلا يزال به حتى يعود إلى الأسباب ، فتصيبه كدورتها ، وتغشاه ظلمتها ، ويعود الدائم في
--> ( 1 ) الثرى : التراب أو الندي منه . الثريا : مجموعة من النجوم أو المصابيح . ( 2 ) كتاب « التنوير في إسقاط التدبير » أوله الحمد للّه المنفرد بالخلق والتدبير . . . إلخ ذكر أنه ألفه بمكة المكرمة ثم استدرك عليه بدمشق وزاد فيه فوائد ولم يرتب وإنما هو كلمات من حيث الورود . قال : إذا طالعه المريد الصادق عرف أن المتلوث لا يصلح للحضرة القدسية . ( كشف الظنون 1 / 502 ) .